عثمان بن جني ( ابن جني )

468

الخصائص

فإنه لاحق بالصفة في إفادة معنى الكثرة ؛ ألا تراه موضوعا لكثرة الاختطاف به . وكذلك سكّين ، إنما هو موضوع لكثرة تسكين الذابح به . وكذلك البزّار والعطار والقصّار ونحو ذلك ؛ إنما هي لكثرة تعاطى هذه الأشياء وإن لم تكن مأخوذة من الفعل . وكذلك النسّاف لهذا الطائر ، كأنه قيل له ذلك ؛ لكثرة نسفه بجناحيه . وكذلك الخضّارى للطائر أيضا ؛ كأنه قيل له ذلك لكثرة خضرته ، والحوّارى لقوّة حوره وهو بياضه . وكذلك الزمّل " 1 " والزمّيل والزمّال ، إنما كررت عينه لقوّة حاجته إلى أن يكون تابعا وزميلا . وهو باب منقاد . ونحو من تكثير اللفظ لتكثير المعنى العدول عن معتاد حاله . وذلك فعال في معنى فعيل ؛ نحو طوال ؛ فهو أبلغ ( معنى من ) طويل ، وعراض ؛ فإنه أبلغ ( معنى من ) عريض . وكذلك خفاف من خفيف ، وقلال من قليل ، وسراع من سريع . ففعال - لعمري - وإن كانت أخت فعيل في باب الصفة ، فإن فعيلا أخصّ بالباب من فعال ؛ ألا تراه أشدّ انقيادا منه ؛ تقول : جميل ولا تقول : جمال ، وبطىء ولا تقول : بطاء ، وشديد ولا تقول : شداد ( ولحم غريض ولا يقال غراض ) . فلمّا كانت فعيل هي الباب المطّرد وأريدت المبالغة ، عدلت إلى فعال . فضارعت فعال بذلك فعّالا . والمعنى الجامع بينهما خروج كل واحد منهما عن أصله . أما فعّال فبالزيادة ، وأمّا فعال فبالانحراف به عن فعيل . وبعد فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني ، ثم زيد فيها شيء ، أوجبت القسمة له زيادة المعنى به . وكذلك إن انحرف به عن سمته ( وهديته ) كان ذلك دليلا على حادث متجدّد له . وأكثر ذلك أن يكون ما حدث له زائدا فيه ، لا متنقصا منه ؛ ألا ترى أن كل واحد من مثالي التحقير والتكسير عارضان للواحد ، إلا أن أقوى التغييرين هو ما عرض لمثال التكسير . وذلك أنه أمر عرض للإخراج عن الواحد والزيادة في العدّة ، فكان أقوى من التحقير ؛ لأنه مبق للواحد على إفراده . ولذلك لم يعتدّ التحقير سببا مانعا من الصرف ، كما اعتدّ التكسير مانعا منه ؛ ألا تراك تصرف دريهما ودنينيرا ، ولا تصرف دراهم ولا دنانير ؛ لما ذكرنا . ومن هنا حمل

--> ( 1 ) الزّمّل والزّمّيل والرّمّال : الضعيف الجبان الرّذل .